السيد محمدحسين الطباطبائي

8

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

مِثْلِهِ الآية ، أي من مثل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم استدلال على كون القرآن معجزة بالتحدّي على إتيان سورة نظيرة سورة من مثل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا أنّه استدلال على النبوّة مستقيما وبلا واسطة ، والدليل عليه قوله تعالى في أوّلها : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ولم يقل وإن كنتم في ريب من رسالة عبدنا ، فجميع التحدّيات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند اللّه والآيات المشتملة على التحدّي مختلفة في العموم والخصوص ومن أعمّها تحديا قوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 1 » ، والآية مكيّة وفيها من عموم التحدّي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة . فلو كان التحدّي ببلاغة بيان القرآن وفصاحة أسلوبه فقط لم يتعد التحدي قوما خاصا وهم العرب العرباء من الجاهليين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده ، وقد قرع بالآية أسماع الإنس والجن . وكذا غير البلاغة والجزالة من كل صفة خاصة اشتمل عليها القرآن كالمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة والأحكام التشريعية والأخبار المغيبة ومعارف أخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك ، كل واحد منها مما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم ، فإطلاق التحدّي على الثقلين ليس إلّا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات . فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته ، وللحكيم في حكمته ، وللعالم في علمه وللاجتماعي في اجتماعه ، وللمقننين في تقنينهم وللسياسيين في سياستهم ، وللحكام في حكومتهم ، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعا كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان . ومن هنا يظهر أنّ القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه إعجازا لكل فرد من الإنس والجن من عامّة أو خاصّة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول ، فإن الإنسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة

--> ( 1 ) الإسراء - 88 .